← العودة إلى الصفحة الرئيسية
🕊️ شهيد ثورة يوليو ٢٠٢٤
الشهيد محمد عبد النور
শহীদ
Memorial QR Code

📱 رمز الاستجابة السريعة

امسح الرمز بكاميرا الجوال لعرض السيرة ومشاركتها فوراً.

🌹 دعاء

انقر على الأزرار لتقديم التحية والدعاء للشهيد

الاسم

الشهيد محمد عبد النور

📅 تاريخ الميلاد

١ أبريل, ١٩٩٥

🕊️ تاريخ الاستشهاد

٥ أغسطس, ٢٠٢٤

🗺️ المنطقة

مايمينسينغ

👤 سيرة الشهيد الموجزة

المهنة: صحفي (مراسل جرائم في "أخبار اليوم الاستخباراتية"، ومراسل أساسي)،
مكان الاستشهاد: مسجل كمتوفى في مستشفى كلية الطب بدكا مع بطاقة هوية مغطاة بالدم

📜

تفاصيل الاستشهاد والوقائع

بصمة خالدة في ذاكرة الثورة
محمد عبد النور... اسمٌ لا يُنسى، حياةٌ لم تكتمل، وقصةٌ لم يُكتب لها الختام.
وُلد في فاتح أبريل من عام ١٩٩٥، وكانت عيناه منذ اللحظة الأولى تُطالعان الأفق بعشق الحلم ولهفة الاكتشاف. لم يكن مجرّد شاب من جيلٍ مظلوم، بل كان وعدًا بالسؤال، ووهجًا في ليل الصمت.
والده، محمد أبو البَصير، ووالدته، السيدة أسماء خاتون، ما زالا على قيد الحياة، لكنّ الحياة فقدت مذاقها منذ لحظة الفقد. يعيشان في ظلّ حزنٍ كثيف، لا يُرى لكن يُسمَع صداه في كل زفرة، كأنّ أنين القلب يُترجم إلى رجفة دمٍ لا تنام.
عبد النور لم يكن مجرد صحفي، بل كان عاشقًا للحقيقة، وفارسًا للكلمة. في مؤسستين إعلاميتين كان صوته حاضرًا، وفكره نافذًا، وقلمه يكتب للناس لا للسلطة، للحق لا للرياء. كلماته لم تكن حبرًا على ورق، بل كانت دمًا نابضًا بالوعي، تُسلم المعرفة للناس كما تُسلَّم الشعلة في سباق الحرية.
ثم جاء تموز... شهر الغضب والعنفوان. حينما خرجت الجماهير تهتف للكرامة وتشقُّ جدار الخوف، لم يختبئ عبد النور خلف مكتبه، بل نزل إلى الميدان، يحمل المايكروفون لا كسلاح، بل كراية، وبطاقة الصحافة معلّقة على عنقه كأنها وصية. كانت تلك البطاقة رمزًا للصحافة الحرة، واليوم هي قطعة دامية في ملف الحقيقة. لقد تحوّلت إلى شاهد صامت على اغتيال الكلمة تحت أقدام الاستبداد.
كيف تتحول الحرب إلى موسيقى؟
سؤال تشربته الدموع، وانسكب في الأثير يوم ترددت طلقات الرصاص عبر ميكروفون "نور"، واختلط صوته المرتجف بنداء لم يُعرف من قبل، نداء لا يطرقه سوى من تمرس في وجع الحقيقة. في تلك اللحظة، تبدّل كل شيء: ومضة الكاميرا الصغيرة، القلم المختبئ في جيب معطف غبار، جميعها تحوّلت إلى شواهد مغسولة بدمٍ لا يجف.
في رواية العائلة: "بقعة الدم ما زالت هناك. غسلناها مرارًا، لكن الدم ليس ماءً يُمحى، إنه ذاكرة، إنه التاريخ ذاته."
لم تكن البقعة على القماش فحسب، بل انغرست كالنقش في صدر أمٍّ لم يعد قلبها كما كان، صورة لا تمحى، لا بالزمن ولا بالصبّر. غرفة "نور" اليوم صامتة.
صوته غاب، وابتسامته الوادعة لم تعد تضيء الزوايا.
لم يتبقَ سوى أطياف ذاكرة ترتجف على الجدران كظل صلاةٍ لم تُكتمل.
زوجته كانت قد انسحبت بصمت.
أما ابنته، فتكابد ثقل الأيام فوق مقعد دراسي في معهدٍ، لا تدري أن أنين الأب ضاع منها قبل أن تفهم معنى الأمان أو دفء الحنان. الشهيد… وعالم اليوم.
لا يُرى بوضوح، لكنه يسكن كل قطرة دمٍ تُنبت كرامة، ويُحسّ في كل رعشة ذاكرةٍ تتقيأ الوجع.
آه، لو أن أحدًا يهمس، ولو لمرة: "كان نور هنا… وكان يقول الحقيقة" —
ربما، فقط ربما، تسكن تلك الكلمات في صدر الأم وتمنحها هدأة تشبه العزاء. لكن الحقيقة الأشد مرارة: نور غاب،
غير أن صوته لم يمت،
ونبضه لم ينطفئ،
وشجاعته لم تنكسر…
إنه يمضي، خفيًا،
في أعمدة الصحف، في وجدان الناس،
وفي فراغ حادٍّ كحدِّ السكين،
فراغٍ لا يمحوه شيء… كالدّم تمامًا.
 سياق الانتفاضة —
في تموز من عام ٢٠٢٤، لم تكن شوارع بنغلادش تعبُر الزمن كما هي، بل كانت تُكتب من جديد، سطرًا سطرًا، بمدادٍ من الدم، وتنهيدةٍ من الحزن، وصرخةٍ من أعماق المقهورين. لم تكن حُمرة السماء آنذاك من غروب الشمس، بل من لهيب الحرائق، ودموع الأمهات، واحتراق الحناجر تحت وطأة الغازات والقنابل والصيحات المذبوحة.
بدأت شرارةُ الحركة في الأول من يوليو، بمطلب عادل لإصلاح نظام الحصص، لكن ما لبثت أن تحوّلت — بعد الخامس عشر منه — إلى ملحمةِ قمعٍ طاحن، خُطّت فيها فصولُ الألم بأيدٍ غاشمة، تنتمي إلى فصائل السلطة: رابطة الطلاب، رابطة الشباب، رابطة المتطوعين، يداً بيد مع آلة الدولة الأمنية، التي لم تكن تنظر إلا بعين واحدة: عين البطش، وعقيدة التخويف، وأمر القهر والإذلال.
غير أن بركان الغضب لم يكن وليد لحظة، بل كان جمرةً تحت الرماد لسنوات، تراكمت حتى انفجرت. من رامبورا إلى ميربور، ومن بونوشري إلى تيجغاو، نهضت الأصوات المكبوتة، تخلّعت الأقنعة، وانكشفت الوجوه الغاضبة، كلها تردّد نغمةً واحدة: لا للظلم، لا للقهر. وقف الطلاب عُزّلًا، لا سلاح لهم سوى صدورهم، لا درع إلا إيمانهم بعدالة قضيتهم، وكأنهم حائط من الشجاعة لا يخترقه الرصاص.
أولئك الذين كانوا يدرسون مفردات الحرية في الكتب، صاروا أساتذتها في الساحات. وأبناء الشعب — البسطاء الذين لم تذكرهم شاشات — توافدوا إلى الأرصفة، يحملون طعامًا أو قوارير ماء، وبعضهم لم يحمل إلا صوته، هتافه، ودمعه الحار.
لقد كانت تلك اللحظات لحظة انكسار جدار الخوف، وسقوط عهد الصمت. وكانت بداية زمن جديد اسمه "يوليو الأحمر"؛ ليس فصلاً في كتاب الثورات الفاشلة، بل قصيدةً في سجلّ الشجاعة، وصورةً خالدةً من ملاحم الفداء.  وفي لحظةٍ كانت فيها الحقيقة تُطارد وتُكمَّم، نهض عبد النور. لم يكن صحفيًّا فحسب، بل كان ضميرًا حيًّا يسير على قدمين، صفحةً من التاريخ تكتب نفسها بمداد الوجع والأمل. لم يحمل في يده بندقيّة، بل دفتراً صغيراً، وميكروفوناً متواضعاً، وبطاقة صحفيّة تدلّ عليه، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى وثيقةٍ ممهورة بدم الحقيقة. كان يصوّر، نعم، لكنه في الحقيقة كان يوثّق ذاكرة المقهورين، يقطف من فم المأساة حكاياتٍ موجعة، ويمنحها صوتًا لا يخاف، صوتًا يقرع أبواب السلطة المتكلسة، مرددًا أن الحقيقة لا تُدفن، وإن وُوريت تحت ركام القمع.
كان عبد النور يعلم أن دولةً تخشى الكلمة، هي دولةٌ تسكنها الوحشيّة. وكان يدرك أن الصحافة ليست مهنة، بل معركة يخوضها الشجعان، وأن القلم فيها ليس أداةً للكتابة، بل سلاحٌ في وجه الظلم. لذا لم يتراجع، لم يساوم، ولم يصمت.
وجاءه الرصاص، لا ليُسكت كاميراه، بل ليُخرس الذاكرة، ليطفئ النور من اسمه. لكنه حين سقط، لم تسقط عدسته، بل سجّلت لحظة الخلود. امتلأ الشارع بدمه، ذاك الشارع الذي عَبَرته أقدام المحتجّين الهائمين بالكرامة. وكان الدم نبيلاً، لا يُمحى، لأنّه لم يكن دم لحمٍ وعظم، بل دم الشجاعة، دم الوعي، دم الحريّة الآتية من رحم الألم.
وانتشر دمه، لا عبر المجاري، بل عبر الشاشات والقلوب، وبلغ كل بيت، وكل ضمير حي. رأى الناس أن الصحفي قد يُطلق عليه النار، وأن الحقّ قد يُقتل، لكنّهم عرفوا أيضًا أن الحقيقة لا تموت، وأن عبد النور لم يكن فردًا، بل رمزًا لن يُنسى.
يوليو الأحمر… ليس يومًا من أيام النضال فحسب، بل هو اسم لنبضٍ حي، لفكرةٍ متقدة، لجمرةٍ لا تنطفئ في القلوب.
هو ليس وسمًا عابرًا في فضاء المنصات، بل وهجٌ يسكن الأرواح، نارٌ تأكل السكون، وتُشعل في النفوس عزيمة لا تنكسر. عبد النور احترق بتلك النار، لا كاحتراق العاجز، بل كمن صار شعلةً في ليلٍ طويل، يهدي بها من خلفه طريقًا نحو الكرامة.
الذين لا يزالون على قيد الحياة، لا يحملون ذكراه فقط، بل يحملون وهج روحه في صدورهم، تضيء دروبهم، ولا تخبو.
نعم، سيُكتب تاريخ "يوليو الأحمر" ذات يومٍ بأقلام المؤرخين،
لكن الشهداء وحدهم يعلمون أن دماءهم كانت أولى السطور، وأن أرواحهم كانت الحبر الأول.
وهكذا ارتقى عبد النور شهيدًا…
في مساءٍ مرعب، من مساءات 5 أغسطس 2024، خرج عبد النور كما اعتاد، يحمل أمانة الكلمة، ويطارد الحقيقة بخطى متعبة لكن بقلب لا يلين.
كان يحمل في عينيه ظلال السهر، وفي قلبه وهج اليقين.
لكن شوارع العاصمة آنذاك لم تكن مسرحًا للأخبار، بل كانت ساحَ حرب.
لم تكن الأصوات هتافاتٍ فقط، بل كانت صرخات ورصاصًا ودخانًا وسقوطًا مدوّيًا للأمل.
كان يركض، كمن يلاحق الزمن، حقيبته على كتفه، وميكروفونه في يده،
يوثّق المأساة، يحاور التاريخ، يطارد الحقيقة وسط الدم والغاز والدموع. وعند تمام الرابعة مساءً،
رنّ هاتف والده، الحاج محمد أبو البشار.
رقمٌ غريب، وصوتٌ غريب... قال: "هل تعرف شخصًا يُدعى عبد النور؟"
لحظة واحدة أثقل من الجبال مرّت على قلبه. أجاب الأب، وصوته يرتجف: "إنه ابني."
فجاءه الرد كطعنة في خاصرة الروح: "تعالوا إلى المستشفى… فورًا. لكن ذلك النداء لم يكن نداءً للنجدة،
بل كان همسًا خافتًا لوداعٍ أخير.
دعوة إلى حضرة الجسد المسجّى.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الأب يخطو نحو موته ببطءٍ مؤلم،
وفي كل شبرٍ يخطوه، كانت المآسي تُدوّي في صدره،
وكان الخوف يزأر في أركان قلبه، كأنما القيامة قد قامت داخله. صعد الأب إلى الرِّكشة، وبجواره صغيره. الطرقات مسيَّجة بالأسلاك، مفاتيح المدينة بيد الشرطة، والمداخل موصدة. يتنقلان بين الأزقة والدروب، من باونيا بازار، فوق الجسر، مرورًا بمفترق إي سي بي، حتى بلغا أطراف الثكنة العسكرية... الأقدام أنهكها المسير، والعيون مثقلة بهواجس الليل. وإذ بهما، في غمرة التيه، يتوقفان على نداء رجلٍ غريب على دراجة نارية. لا هو صحفي، ولا من ذوي القربى، بل كان فقط... إنسانًا. اقترب منهم بقلبٍ يعرف الألم، وحملهم دون تردد إلى قسم الطوارئ في مستشفى موغدا. هناك، يسألون عن "راكب"، ذاك الشاب الذي هاتفهم. يخرج إليهم، وعلى وجهه ظلُّ صدمة، وفي صوته رجفة من حزنٍ نبيـل، ويقول:
"لن أترككم حتى أُسلّم الجثمان بيدي، حتى يكون لكم في هذا الليل سند." كلمات عزاء، لكنها كانت تنزف وجعًا. ثم إلى المشرحة يسيرون... وهناك، يُسدل الستار عن الحقيقة. جثمان ممدَّد، رأسه متهشم من الخلف بطلقة نارية. في اللحظة الأولى لم يعرفوه—فالدم المسفوح على الأرض طمس الملامح، واختلطت الرؤية بالذهول. كان يرتدي قميصًا بنغابيًّا، اختلط لونه بدمائه. أرضية المستشفى لم تلوّث حذاءه فحسب، بل لوّثت القلوب أيضًا. مشهد لا يُمحى، وجع لا يُقال. هكذا يسقط فارس الكلمة. الصحفي الباحث عن الحقيقة، صاحب القلم الذي اعتاد أن يصرخ في وجه الصمت، صوت الشجاعة في زمن التواطؤ—ها هو الآن مسجّى على الأرض، لا يتحرك، لا ينبض. وإلى جانبه حقيبته، ربما تحمل أوراقًا لم تكتمل، أو صورًا التقطها قبل أن تُطفأ العدسة. لم يعُد يكتب التقارير... بل أصبح هو التقرير، هو العنوان، هو الحقيقة المضرّجة بالدم.
في التاسعة ليلًا، سلك الجثمان طريقه إلى الديار، دون موكبٍ رسمي، دون بساطٍ أحمر، بلا تحيةٍ عسكرية ولا عدساتٍ إعلامية. لم تبث شاشات الفيسبوك لحظة الرحيل، ولم تهتز قلوب المشاهدين على اليوتيوب دموعًا أو حسرة. كانت الميتةُ صامتةً، عاريةً من كل صخبٍ، لا شاهد عليها إلا دمعةٌ وحيدة سالت من عين أبٍ مفجوع. كأن الدولة ذاتها هي من أطلقت الرصاص، وكأن كل طلقةٍ نطقت صراحة: "من يتكلم بالحقيقة، فليتأهب للموت." هذه الميتة، ليست موته وحده، بل هي خزيُنا جميعًا. وصمتنا الطويل هو القاتل الحقيقي. عبد النور لم يعد بيننا، لكن دمه يطرُق أجفاننا عند كل رمشة، وعندما نغلق أعيننا، نراه راقدًا على الأرض، وبجانبه قلمه… لا يزال يريد أن يتكلم، لكن لا أحد يصغي.
الأسرة ونزيف الفقد
والده، الحاج محمد أبو البشار، ما زال يصحو في الليالي متعرق الجبين، مشوش الروح. عقارب ساعته الداخلية توقفت عند الرابعة عصرًا… تلك اللحظة التي جاءه فيها الاتصال اللعين. صوت غريب، ووجع لم يعرف له اسمًا، تسلل إلى قلبه وتركه جريحًا للأبد. ومنذ ذلك الحين، لا يزال ذلك السؤال يتردّد داخله كالنصل:
"هل تعرف شخصًا يُدعى عبد النور؟"
سؤالٌ لم يكن عابرًا، بل جرحٌ نازف استنزف بقية عمره، سؤالٌ أنهى حياةً بأكملها قبل أن يُجاب عليه.
وأمّا الأمُّ — أسماء خاتون — فحزنُها لا يُشبه حزنَ الأمهات، بل هو وجعٌ صامتٌ لا يُجيد البكاء، ولا يتوسّل الكلمات. لا تنطق بشيء، لا ترفع بصرها إلى أحد، فقط تُنكس رأسها في سكونٍ ثقيل، كأنها تُنصت لأنينٍ لا يسمعه سواها. ليلًا بعد ليل، تمسح دموعها المنهمرة بأطراف ساريها، تلك الدموع التي لا تستأذن، ولا تنوح، بل تتسلّل كما ينسلُّ الحزن في العروق.
كانت تحلم ذات يوم أن تؤدّي العمرة ممسكةً بيد ابنها، أو أن تقف بجواره أمام بيتٍ صغير اشترياه معًا ليضمّ أحلام العائلة تحت سقفٍ واحد. واليوم، تناثر ذاك الحلم على عتبات جسدٍ هامد، في غرفةٍ خلت من كلّ صوت، إلا من رجع الصدى.
زوجة عبد النور، قد سبقته إلى الغياب، إذ هجرت البيت منذ زمنٍ طويل، وخلفت وراءها طفلةً صغيرة لا تزال تحفظ سور القرآن في مقاعد المعهد. هل يمكن لعقلها الغضّ أن يدرك كيف اغتالت الدولة رأس أبيها؟ وهل تدري أن أباها لم يُقتل بالرصاص فقط، بل صلبوه أيضًا على صمتِ المجتمع، وعلى جدار الأسئلة التي لا يُسمع لها جواب؟
كان هذا البيت يعيش على الكفاف، لا يعرف الترف، ولا يألف الزهو. قوتهم بالكاد يكفيهم، وادخارهم قليل، أمّا أحلامهم فكانت هي الزاد والكنز. واليوم، لم يبقَ في الدار مُعيل، وإنما بقي الفراغ – فراغٌ كالصقيع، يسري في الزوايا، ويئنّ في الجدران. ومع ذلك، لم تمتدّ أيديهم لأحد، لم يسألوا الناس إلحافًا. لا يزال أبو البشار، حين يرى طلّاب الصحافة يمرّون، يتمتم كأنما يكلّم روحه: "كان ابني من هؤلاء..." لكن الطلقة التي اخترقت صدره يومها، استقرّت في صوته، فما عاد يخرج منه إلا الصمت الموجوع. هؤلاء لا يطلبون إحسانًا، ولا يتسوّلون عواطف مصطنعة. إنهم فقط يريدون الحق. يريدون من الدولة أن تتكلّم. من الإعلام أن يتحرّر لحظة واحدة، ويقولها بصدق: "عبد النور شهيدُ الكلمة، قُتل لأنه قال الحقيقة. لكنّ الأفق من حولنا موحش، والصمت أكثر فتكًا من الرصاص. الإعلام ولى وجهه بعيدًا، كأن شيئًا لم يكن، والوزراء صمتهم يُشبه غرز الإبر في الشفاه، لا كلمة تُقال، لا مسؤولية تُؤخذ. أمّا من تبقّوا على خطوط النار، فهم مشغولون بالركض نحو الحياة، أو ما يشبهها. وفي هذا الركن المنسيّ، يرقد عبد النور. لا في مقبرة وطنية، بل في ذاكرة منشور عابر على "فيسبوك"؛ لم يطبع أحد صورته، لم يقرأ أحد صرخته، لم يُضاء قبره إلا بدمعه وألمه. لكنه لم يمت بصمت، لم يكن غيابه سكونًا. صرخته ما زالت تخترق الهواء، كالرعد المختبئ في جوف السحاب، نظرة عينيه الأخيرة كانت برقًا يقول:
"نعم، أُصبتُ، لكن سؤالي باقٍ: أين أنتم؟" سؤال لا تُجدي فيه الأجوبة، لأنه لا يُطرح على الأفراد بل على أمة بأسرها. والنتيجة؟
عائلة وحيدة، ذاكرة تنزف، ومعركة أخرى تخوضها الصمت، حيث كل لحظة تمر تُدين هذا الخنوع وتستجوب هذا السكوت.
الإرث والبداية
ألا تُترك ابنة الشهيد عبد النور يتيمة الذاكرة، هذا هو الامتحان الأول لضميرنا الجمعي.
فما جدوى دستور يُكتب في الصحائف، إذا كان العدل نفسه يُترك مصلوبًا على أرصفة الشوارع؟
وما قيمة المبادئ إذا كانت تُردد كأناشيد، بينما يُسحق أصحابها تحت عجلات الخوف؟
لم يكن عبد النور شهيدًا لأنه مات، بل لأنه عاش مقاومًا، لأن كل نفس من أنفاسه كان صرخةً في وجه الظلم، كل خطوة من خطواته كانت وعدًا بألّا ينحني، بألّا يكذب، بألّا يصمت.
استشهاده ليس مأساة عائلته فحسب، بل وزرٌ على كاهل هذا المجتمع، هذه الدولة، وهذا الزمان.
فلنجعل من مستقبل ابنته قضية وطن.
فليكن تأمين تعليمها، وعلاجها، ودعمها المالي والنفسي، فرضًا لا تفضّلًا، حقًّا لا مكرمة.
لأن والدها، أول معلميها، قد أعطاها أعظم دروس الحياة حين قدّم روحه ليبقى السؤال حيًا.
فلا تُطفئوا هذا السؤال.
لا تخونوا هذا الدم.
ولا تجعلوا من اليُتم قدرًا جديدًا تتوارثه أجيال لا تملك من أوطانها سوى الندم.
نُريد من الدولة أن تُقدّم لهذه الأسرة رأس مالٍ متواضعًا، يُقيم لها مشروعًا صغيرًا، فلا تضطر إلى مدّ اليد، بل تنهض بعزّة، وتعيش بكرامة. نرجو أن تبلغ الفتاة من التعليم أعلاه، حتى تقف يومًا ما بكل فخر وتقول: "كان أبي شهيدًا، وأنا امتداد لرسالته، ووارثة حلمه." نريد لهذا الجيل أن يعرف أن عبد النور لم يكن غريبًا عن هذه الأرض، بل كان من ترابها ووجدانها. لم يحمل سلاحًا، لم يتوشّح بزيّ المقاتلين، بل حمل قلماً في يده، وأسئلة تشتعل في عينيه. أُسكت القلم برصاصةٍ غادرة، لكن الحلم الذي خطّه لم ينكسر، والرؤية التي حملها لم تمت. لقد امتزج دمه بالأسفلت، لكنه أيضاً سال في ضمائرنا، وترك أثرًا لا يُمحى في وجداننا. استشهاده يذكّرنا أن الرصاصة لا تقتل جسدًا فحسب، بل قد تكسر قلمًا يُسطّر التاريخ، وتخنق صوتًا كان يحمل الغد بين حروفه. فلا تساؤلات اليوم، بل مطلبٌ واضح: كيف نردّ لهذا الدم اعتباره؟ كيف نحفظ الشعلة التي أُوقدت من نزيفه؟ كيف نُبقي على تلك الفكرة حيّة، تلك التي نطقت بها دماؤه حين صمت الجميع؟
لمحة تعريفية عن الشهيد
الاسم: محمد عبد النور
المهنة: صحفي (مراسل جرائم في صحيفة "أجوكير غويين"، ومراسل رئيسي في قناة "أوبهِيجان نيوز تي في")
تاريخ الميلاد: 1 أبريل 1995
الوالد: محمد أبو البشار
الوالدة: السيدة: عاصمة خاتون
الزوجة: منفصل عنها
الأبناء: ابنة واحدة (طالبة في معهد ديني - مدرسة دينية)
مكان الوفاة: مستشفى كلية الطب في دكا
تاريخ الاستشهاد: 5 أغسطس 2024
الإصابة: رصاصة في الرأس
الحالة بعد الوفاة: تم تسجيله كمتوفى في مستشفى كلية الطب بدكا وهو يحمل بطاقة الهوية ملطخة بالدماء
مكان الدفن: قرية بغيرغاو، أوشتي، غافورغاو، منطقة ميمينسينغ
فصيلة الدم: +
مكان الميلاد: ميمينسينغ
العنوان الحالي: منزل/رقم العقار: 43، القطاع: 10، أوتارا الغربية، دكا - بلدية شمال دكا، صندوق بريد: 2233
العنوان الدائم: بغيرغاو، أوشتي، غافورغاو، ميمينسينغ
رقم ملف الحالة الطبية: 24992
رقم الجريدة الرسمية للشهداء: 765
📖

آية قرآنية عظيمة

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران ٣:١٦٩)

🕌

الحديث الشريف

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "للشهيد سبعون شفاعة لأقاربه في الجنة". (سنن أبي داود ٢٥٢٠)

🖼️

معرض الصور التذكارية للشهيد

Memorial Photo
🔍 বড় করে দেখুন
Memorial Photo
🔍 বড় করে দেখুন
Memorial Photo
🔍 বড় করে দেখুন

📢 شارك هذه التضحية الخالدة